languageFrançais

بحارة قليبية المفقودون: ستة أشخاص غادروا ليومين.. غابوا 15 يوما

صبيحة الأحد 8 مارس وقفت زوجات البحارة وعائلاتهم ورفاقهم على رصيف ميناء قليبية ينتظرون عودة الرايس رؤوف القلعي وبحارته الستة.

الرايس القلعي الملقب بـ"رايس الابحار"، "ماك غايفر" صائد سمك القرش، رجل مقدام كريم معطاء وذو فطنة وخبرة اكتسبها منذ اربعين سنة قضاها يخط ظهر البحر طولا وعرضا.

والرايس وفق شهادة رفيق دربه فوزي أو السيدة نجيبة زوجته وغيرهم من أبناء قليبية رجل يعرف ما يريد ويجيد التخطيط لرحلات عمله.

ففي صبيحة الثلاثاء 24 فيفري قرّر الرايس أنّ الوقت حان لرحلة صيد سمكة القرش،المعروفة محليا بالدودة، الرحلة ستسغرق يومين، والمسافة 12 ميلا، والتوقيت مناسب لصيد أسماك تمر بمياهنا في ذروة برودة ايام الشتاء.

المركب "نسيمة" جاهز مجهز مستوفى العتاد، والبحر "طيب" أي هادئ وصاف، الرحلة تبدو عادية مفعمة بالأمل والضحك والتشجيع، البحارة ستة بين كهول وشباب مستعدون ومستبشرون بالرحلة بعزيمة لا تفت وأمل في صيد وفير، كيف لا وقائد الرحلة هو سي "القلعي" المختص الوحيد في مثل هذا الصيد.

قال الرايس وبحارته :"يا رب العمال عليك وأداروا الدفة نحو المياه الدولية، وقالت العائلات والرفاق: "في وديعة ربي، ان شاء الله بالقسم"!

الصيد في قليبية "صنعة جدود" وخير وبركة، رحلة يومين تغنيهم عن شقاء أيام في مهن اخرى يمارسونها أثناء سوء الأحوال الجوية كبيع الخضر. ولكنه البحر يخط حكايا مختلفة وموجزة أو متعددة الفصول والمراحل ولا يبوح بسرها إلا كما شاء، لذلك يتداول البحارة مثلا شعبيا متوارثا :"البحر من يدخله مفقود ومن يخرج منه مولود " .

قبيل المغادرة، أعلم الرايس رؤوف زميله حسان صاحب الشاحنة- الثلاجة، للاستعداد لاستقباله بعد 24 ساعة تماما على الرصيف لنقل الصيد سريعا للأسواق.

وعلى الرصيف تحولت ساعات انتظار "حسان" إلى أيام بلياليها بلغت أسبوعين الآن، وبعد ثلاثة أيام غياب حان وقت إشعار السلطات وحلت التساؤلات والحيرة ودقت طبول الخوف والريبة في قلوب العائلات، انطلقت رحلة البحث من قبل السلطات، لا أثر للرايس وبحارته، لا أثر للمركب ولو عبر خيط أو سترة نجاة عائمة تدل على وجودهم في مكان ما.

 

 

عائلات تنتظر وتصلي للنجاة

خلف البحر، على رصيف الميناء ستة عائلات تنتظر خبرا عن نجاة المركب وركابه.

السيدة نجيبة زوجة الرايس رؤوف تركت منزلها وأبناءها بفرنسا واستقلت أول طائرة وعلى الميناء تقف تغالب خوفها وجزعها ودموعها وتركز جهدها على استقبال زوجات البحارة مرافقي الرايس وتطمئنهم مستعينة برباطة جأش شاهدتها مرارا في أعين "عشيرها" الرايس رؤوف، تقول: ''سينجو كما نجا من مآس سابقة هو نبيه فطن وماهر ويعرف البحر والبحر يعرفه''. 

وعلى الرصيف زوجة البحري الطيب بن سعيد ترجو عودته لأبنائه ولوالدته التي جف قلبها وشلت أوصالها خوفا على مصير ابنها وتناشد السلطات تكثيف الجهود للبحث متأملة أن يكونوا ظلوا الطريق إلى دولة مجاورة فاحتجزتهم السلطات. وأخت الرايس رؤوف تركت منزلها في العاصمة واتخذت الميناء ومركز الحرس البحري مستقرا تراوح التنقل بينهم بحثا عما يسكن غليان قلبها على شقيقها العزيز.

وعلى منوالها تنسج زوجة البحري وائل حميد خيوط أمل رغم تشتت ذهنها بين واجب الوقوف على الرصيف وواجب رعاية بناتها الثلاث أصغرهن لم تتم ستة أسهر. لكنها تنفض سحابة القلق من رأسها متمسكة بأمل أن " وائل" لن يتخلى باكرا عن مواصلة رحلة رعاية عائلته. كما لم يتخلى يوما عن واجبه في تأمين قوتهم وحاجياتهم بأفضل ما أوتي من جهد.

عالم الصيد، خبرة الرايس رؤوف، طيب أثره وصلابة عزيمته وكرمه وصيته الطيب وتحمله مسؤولية أبنائه البحارة حتى دون خروج للصيد، سلامة المركب ووفرة المؤونة ودقة التجهيزات التي أشرف عليها فوزي صديق مقرب جدا من الرايس رؤوف، كلها عوامل تجعل رفيق الطفولة يتأمل عاليا بنجاة صديقه :" لا شيء مستحيل في البحر مع الرايس رؤوف، سيعود ويروي لي تفاصيل المغامرة، إنه يحسن التصرف"!

 

سهام عمار